ابن قيم الجوزية

397

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وكذلك الرياء في الأعمال يخرجه عن الاستقامة . والفتور والتواني يخرجه عنها أيضا . قال : « الدرجة الثانية : استقامة الأحوال . وهي شهود الحقيقة لا كسبا . ورفض الدعوى لا علما . والبقاء مع نور اليقظة لا تحفظا » . يعني أن استقامة الحال بهذه الثلاثة . أما « شهود الحقيقة » فالحقيقة حقيقتان : حقيقة كونية ، وحقيقة دينية ، يجمعهما حقيقة ثالثة ، وهي مصدرهما ومنشؤهما ، وغايتهما . وأكثر أرباب السلوك من المتأخرين : إنما يريدون بالحقيقة الحقيقة الكونية . وشهودها هو شهود تفرد الرب بالفعل . وأن ما سواه محل جريان أحكامه وأفعاله . فهو كالحفير الذي هو محل لجريان الماء حسب . وعندهم أن شهود هذه الحقيقة والفناء . فيها غاية السالكين . ومنهم : من يشهد حقيقة الأزلية والدوام ، وفناء الحادثات وطيّها في ضمن بساط الأزلية والأبدية ، وتلاشيها في ذلك . فيشهدها معدومة ، ويشهد تفرد موجدها بالوجود الحق بالحق ، وأن وجود ما سواه رسوم وظلال . فالأول : شهد تفرده بالأفعال . وهذا شهد تفرده بالوجود . وصاحب الحقيقة الدينية في طور آخر . فإنه في مشهد الأمر والنهي ، والثواب والعقاب ، والموالاة والمعاداة ، والفرق بين ما يحبه اللّه ويرضاه ، وبين ما يبغضه ويسخطه . فهو في مقام الفرق الثاني الذي لا يحصل للعبد درجة الإسلام - فضلا عن مقام الإحسان - إلا به . فالمعرض عنه صفحا لا نصيب له في الإسلام البتة ، وهو كالذي كان الجنيد يوصي به أصحابه ، فيقول : « عليكم بالفرق الثاني » وإنما سمي ثانيا ، لأن الفرق الأول : فرق بالطبع والنفس . وهذا فرق بالأمر . والجمع أيضا جمعان : جمع في فرق ، وهو جمع أهل الاستقامة والتوحيد . وجمع بلا فرق . وهو جمع أهل الزندقة والإلحاد . فالناس ثلاثة : صاحب فرق بلا جمع ، فهو مذموم ناقص مخذول . وصاحب جمع بلا فرق . وهو جمع أهل الزندقة ، والإلحاد ، فصاحبه ملحد زنديق . وصاحب فرق وجمع . يشهد الفرق في الجمع ، والكثرة في الوحدة . فهو المستقيم الموحد الفارق . وهذا صاحب الحقيقة الثالثة ، الجامعة للحقيقتين الدينية والكونية . فشهود هذه الحقيقة الجامعة : هو عين الاستقامة . وأما شهود الحقيقة الكونية ، أو الأزلية ، والفناء فيها : فأمر مشترك بين المؤمنين والكفار ، فإن الكافر مقر بقدر اللّه وقضائه ، وأزليته وأبديته . فإذا استغرق في هذا الشهود وفني به عن سواه : فقد شهد الحقيقة . وأما قوله : « لا كسبا » أي يتحقق عند مشاهدة الحقيقة : أن شهودها لم يكن بالكسب . لأن الكسب من أعمال النفس . فالحقيقة لا تبدو مع بقاء النفس . إذ الحقيقة فردانية أحدية نورانية . فلا بد من زوال ظلمة النفس ، ورؤية كسبها ، وإلا لم يشهد الحقيقة .